المقريزي
182
المقفى الكبير
الحسن : ما هذا ؟ لا تفعل ، فقد احتملتك مرّتين ، وهذه الثالثة . وأنا ابن تسعين سنة ، فاتّق اللّه في المشايخ ! فربّما استجيبت فيك دعوة . فقال أبو بكر بن خزيمة : لا تؤذ الشيخ ! فقال أبو بكر : إنّما أردت أن يعلم الأستاذ أنّ أبا العبّاس يعرف حديثه . ( قال ) : وسمعت أبا الوليد [ حسّان بن محمد ] الفقيه يقول : كان الحسن بن سفيان أديبا فقيها ، أخذ الأدب عن أصحاب النضر [ بن شميل ، أخبرنا أبو نصر ] أحمد بن جعفر « 1 » الأسفراييني [ قال : حدّثنا ] الفقيه أبو الحسن الصفّار قال : كنّا في مجلس الشيخ الإمام الزاهد الحسن بن سفيان النسويّ ، وقد اجتمع لديه طائفة من أهل الفضل ارتحلوا إليه من أطباق الأرض والبلاد البعيدة مختلفين إلى مجلسه لاقتباس العلم وكتابة الحديث ، فخرج يوما إلى مجلسه الذي كان يملي فيه الحديث ، فقال : اسمعوا ما أقول لكم قبل أن نشرع في الإملاء . قد علمنا أنّكم طائفة من أبناء النّعم وأهل الفضل ، هجرتم أوطانكم وفارقتم دياركم وأصحابكم في طلب العلم واستفادة الحديث ، فلا يخطرنّ ببالكم أنّكم قضيتم بهذا التجشّم للعلم حقّا ، أو أدّيتم بما تحمّلتم من الكلف والمشاقّ من فروضه فرضا . فإنّي أحدّثكم ببعض ما تحمّلته في طلب العلم من المشقّة والجهد ، وما كشف اللّه سبحانه وتعالى عنّي وعن أصحابي ببركة العلم وصفوة العقيدة من الضّيق والضنك . اعلموا أنّي كنت في عنفوان شبابي ارتحلت من وطني لطلب العلم واستملاء الحديث ، فاتّفق حصولي بأرض المغرب وحلولي بمصر في تسعة نفر من أصحابي طلبة العلم وسامعي الحديث . وكنّا نختلف إلى شيخ كان أرفع أهل عصره في العلم منزلة ، وأدراهم بالحديث ، وأعلاهم إسنادا ، وأوضحهم رواية ، فكان يملي علينا كلّ يوم مقدارا يسيرا من الحديث حتى طالت المدّة وخفنا النفقة . ودفعت الضرورة إلى بيع ما صحبنا [ 351 ب ] من ثوب وخرقة ، إلى أن لم يبق لنا ما كنّا نرجو حصول قوت يوم منه ، وطوينا ثلاثة أيّام بلياليها جوعا وسوء حال ، ولم يذق واحد منّا شيئا ، وأصبحنا بكرة اليوم الرابع بحيث لا حراك بأحد من جملتنا من الجوع وضعف الأطراف . وأحوجت الضرورة إلى كشف قناع الحشمة وبذل الوجه للسؤال . فلم تسمح أنفسنا بذلك ولم تطب قلوبنا به ، وأنف كلّ واحد منّا عن ذلك ، والضرورة تحوج إلى السؤال على كلّ حال . فوقع اختيار الجماعة على كتابة رقاع بأسامي كلّ واحد منّا ، وإرسالها قرعة ، فمن ارتفع اسمه من الرقاع كان هو القائم بالسؤال واستماحة القوت له ولأصحابه . فارتفعت الرقعة التي اشتملت على اسمي ، فتحيّرت ودهشت ولم تسامحني نفسي بالمسألة واحتمال المذلّة . فعدلت إلى زاوية من المسجد أصلّي ركعتين طويلتين قد اقترن الاعتقاد فيها بالإخلاص ، أدعو اللّه سبحانه بأسمائه العظام وكلماته الرفيعة لكشف الضرّ وسياقة الفرج . فلم أفرغ بعد من إتمام الصلاة حتّى دخل المسجد شابّ حسن الوجه نظيف الثوب طيّب الرائحة ، يتبعه خادم في يده منديل فقال : « من منكم الحسن بن سفيان ؟ » فرفعت رأسي من السجدة وقلت : أنا الحسن بن سفيان ، فما الحاجة ؟ فقال : إنّ الأمير ابن طولون صاحبي يقرئكم السلام والتحيّة ويعتذر إليكم في الغفلة عن تفقّد أحوالكم والتقصير الواقع في رعاية حقوقكم ، وقد
--> ( 1 ) الزيادات من أعلام النبلاء 14 / 159 - 161 ، وفيها : أحمد بن محمد الأسفرايينيّ .